ابن كثير
370
البداية والنهاية
راحلة له فنزل في تبوك فالتفت فإذا على الراحلة شيخ أبيض الرأس واللحية فشد عليه ابن الزبير فتنحى عنها فركب ابن الزبير راحلته ومضى ، قال فناداه : والله يا بن الزبير لو دخل قلبك الليلة مني شعرة لخبلتك ، قال : ومنك أنت يا لعين يدخل قلبي شئ ؟ وقد روى لهذه الحكاية شواهد من وجوه أخرى جيدة ، وروى عبد الله بن المبارك : عن إسحاق بن يحيى ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : أقبل عبد الله بن الزبير من العمرة في ركب من قريش فلما كانوا عند إلينا صب ( 1 ) أبصروا رجلا عند شجرة ، فتقدمهم ابن الزبير ، فلما انتهى إليه سلم عليه فلم يعبأ به ورد ردا ضعيفا ، ونزل ابن الزبير فلم يتحرك له الرجل ، فقال له ابن الزبير : تنح عن الظل ، فانحاز متكارها ، قال ابن الزبير : فجلست وأخذت بيده وقلت : من أنت ؟ فقال : رجل من الجن ، فما عدا أن قالها حتى قامت كل شعرة مني فاجتذبته وقلت : أنت رجل من الجن وتبدو إلي هكذا ؟ وإذا له سفلة وانكسر ونهرته وقلت : إلي تتبدا وأنت من أهل الأرض ، فذهب هاربا وجاء أصحابي فقالوا : أين الرجل الذي كان عندك ؟ فقلت : إنه كان من الجن فهرب . قال : فما منهم رجل إلا سقط إلى الأرض عن راحلته ، فأخذت كل رجل منهم فشددته على راحلته حتى أتيت بهم الحج وما يعقلون . وقال سفيان بن عيينة قال ابن الزبير : دخلت المسجد ذات ليلة فإذا نسوة يطفن بالبيت فأعجبنني ، فلما قضين طوافهن خرجن فخرجت في أثرهن لاعلم أين منزلهن ، فخرجن من مكة حتى أتين العقبة ثم انحدرن حتى أتين فجا فدخلن خربة فدخلت في أثرهن . فإذا مشيخة جلوس فقالوا : ما جاء بك يا بن الزبير ؟ فقلت : أشتهي رطبا ، وما بمكة يومئذ من رطبة ، فأتوني برطب فأكلت ثم قالوا : احمل ما بقي معك ، فجئت به المنزل فوضعته في سفط وجعلت السفط في صندوق ، ثم وضعت رأسي لأنام ، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذ سمعت جلبة في البيت ، فقال بعضهم لبعض أين وضعه ؟ قالوا : في الصندوق ، ففتحوه فإذا هو في السفط داخله ، فهموا بفتحه فقال بعضهم : إنه ذكر اسم الله عليه ، فأخذوا السفط بما فيه فذهبوا به ، قال . فلم آسف على شئ أسفي كيف لم أثب عليهم وهم في البيت . وقد كان عبد الله بن الزبير ممن حاجف عن عثمان يوم الدار ، وجرح يومئذ بضع عشرة جراحة ، وكان على الراجلة يوم الجمل وجرح يومئذ تسع عشرة جراحة أيضا ، وقد تبارز يومئذ هو ومالك بن الحارث بن الأشتر ، فاتحدا فصرع الأشتر ابن الزبير فلم يتمكن من القيام عنه ، بل احتضنه ابن الزبير وجعل ينادي : اقتلوني ومالكا ، واقتلوا مالكا معي ، فأرسلهما مثلا . ثم تفرقا ولم يقدر عليه الأشتر ، وقد قيل إنه جرح يومئذ بضع وأربعون جراحة ، ولم يوجد إلا بين القتلى وبه رمق ، وقد أعطت عائشة لمن بشرها أنه لم يقتل عشرة آلاف درهم وسجدت لله شكرا ، وكانت تحبه حبا شديدا ، لأنه ابن أختها ، وكان عزيزا عليها . وقد روي عن عروة : أن عائشة لم تكن تحب أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
--> ( 1 ) إلينا صب : أجبل متحاذيات في ديار بني بكر أو بني أسد بنجد ، بينها وبين أضاخ أربعة أميال ( معجم البلدان ) .